أحمد بن محمد ابن عربشاه

153

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ومن هذا المقال يا أبا الأغوال : واللص ليس له دليل ساتر * نحو الّذى يبغى كنوم الحارس والأصل في هذا كله : حسم مادّتهم ، ورد جادتهم ؛ وذلك لا هلاك مرشدهم وإفساد زاهدهم ، فإن قدرنا على إهلاكه وتمزيق حبائله وأشراكه ثبتت شملهم وتبينت جلهم وقلهم . فقال العفريت للوزير الثالث وكان أنحس عابس : قل لي أيها الوزير سنح لك من التدبير في هذا الأمر المبير « 1 » والخطب الخطير ، وما ذا ترى فيه وتشير ؟ فقال : لا شك أن الطبّاع تميل إلى ما تسمعه وما يلقى إلى النفس لا بدّ أن يؤثر موقعه ، وما أشار به ودبره الوزيران وهما نعم المشيران ، فهو لا يخلو عن فوائد بل هو متحل بعقود الفرائد ، وإني لأعلم أنه أثر في الخواطر كما يؤثر في الرياض السحب المواطر . وبالجملة فللكلام تأثير في النفس كما تظهر آثاره في الحس ؛ ولهذا ترى رقيق الشعر يفعل ما لا يفعله دقيق السحر ، وجليل العبارة فيه من الإثارة ما يشجع الجبان ، وينشط الكسلان ، ويسخى البخيل ، وينجى الذليل ، ويسحر الأرواح ، ويسخر الأشباح ، ويعطف القلوب ، ويؤلف بين المحب والمحبوب ، ويصير العدوّ صديقا ، وغليظ الأحرار رقيقا ، وتأمل يا بنيه ما قيل في البدية : حديث إذا ما دمت دهري انتخى * وكفّ عن الإيذاء وعاد إلى الإخا أذكّره أخلاق مالكه الّذى * تعلم منه العلم والحلم والسخا أنال به مالا ينال بقوة * وأرواح أشباح أتت بعد ما شمخا

--> ( 1 ) المهلك .